الشهيد الثاني
791
رسائل الشهيد الثاني ( ط . ج )
وأمّا الثاني فبعد ما مرّ معك من أدلَّة النافين ودعوى الإجماع ونقله أقول : لا شكّ أنّ قولك : « يجوز العمل بقول الميّت » مسألة شرعيّة ، فإنْ كنت مقلَّداً فيها فيجب عليك إسنادها إلى مجتهدٍ معيّنٍ عادلٍ أعلم ممّن لا يجوّزونه ، كما عرفت من شرائط التقليد ؛ إذ تقليد الميّت لو لم يكن أكثرَ شروطاً وأضيقَ من تقليد الحيّ فلا أقلَّ من أنْ يكون مساوياً له في الشرائط ، فلا يجوز العمل بمجرّد الاحتمال بأنّه قول المجتهد ، ولا الإسنادُ إلى مجهول الحال ، بل لا بدّ من معرفة حاله من حيث الاجتهاد والعدالة ، وكونِه أعلمَ وأورعَ من مخالفيه . ولا يخفى على المنصف أنّ هذه المعرفة كادت أنْ تكون خارجة عن حيّز الإمكان العادي ، وإنْ كنت مجتهداً فيها فقد خرجت عن موضع المسألة ؛ إذا الخلاف فيما لم يوجَد مجتهد . هذا ، وقد تبيّن من هذه المباحث أنّه لا يجوز خلوّ الزمان عن المجتهد ، وإلا لضاعت الشريعة واختلَّت الأحكام . فلا بدّ في كلّ عصر بل في كلّ قُطرٍ ممّن يرجع الناس إليه في الفتوى والحكم ، ولا يجوز للمقلَّد مباشرتُهما بالإجماع ، ولا واسطة بينهما بالاتّفاق . والقول بأنّ عدول المؤمنين يقومون مقام المجتهدين قول لا أصل له في الشريعة ؛ لأنّهم إنْ كانوا جاهلين بالأحكام فلا يجوز اتّباعهم ، وإنْ كانوا عارفين بها ، فإنْ كانوا مجتهدين فيكفي واحد ولا حاجة إلى الاجتماع مع أنّ المفروض عدمه . وإن كانوا مقلَّدين ، فقد عرفت حالهم من أنّه لا يجوز لهم الحكم والفتوى بالإجماع ولا تأثير للاجتماع هنا ؛ إذ لا بدّ له من دليل ، وإلا فلا اعتبار به مع أنّ الأصل هو العدم .